مرحلة العارفين بالله وفيروس كورونا

عندما تخطيت الاربعين بقليل، كانت تأتي الي مسامعي في بعض الاحيان كلمتين لهما شديد الاثر على روحي المعنوية. كنت احاول بكل ما استطعت ان اهرب من قائليهما وانجو بنفسي من تأثيرهما . هاتان الكلمتان هما " اونكل ، وعم الحاج " .  كنت اسمع كلمة اونكل عندما اقابل احد اصدقاء ابني الصغير ومن ثم اقول في نفسي " يابني اونكل ايه ان اكبر منك بشوية صغيرة " . وكنت اسمع كلمة عم الحاج اثناء ركوبي المواصلات مثلا او اثناء شرائي بعض الحاجات . هاتان الكلمتان كانتا تنغص علي ايامي احيانا وكانت تجعلني مثل التائه الذي يبحث عمن يهديه واظل ادور والف واسأل كل من يقابلني ،  هل يبدو على وجهي الكبر ؟؟
انظر في المرآة ، ابحث عن بعض الشعيرات في رأسي التي اكتست بلون الثلج لكي اقتلعها عنوة . اذهب الى الحلاق لكي يضع لي بعض الاصباغ التي تخفي تغير اللون . وعندما يصيبني الاجهاد اذهب لملاقاة بعض الاصدقاء لكي اخرج همومي واحاول ان اجد حلا لهذه المشكلة العويصة .
كانت جل حوارات الاصدقاء في هذه المرحلة تدور حول هذه النقطة  وكنت اسميها مرحلة " عم الحاج ". وهي المرحلة التي تأتي مباشرة بعد شبابك فجأة وبدون سابق انذار . وكانت اغلب حوارتنا تؤكد اننا لازلنا بكامل صحتنا سواء الجسدية او النفسية واننا مازلنا شباب . وكانت تعليقات الفيس والواتس يغلب عليها الطابع الجنسي سواء كانت صور او افلام او حوارات . حتى ان منهم من تزوج ثانية ليثبت لنفسه قبل غيره قوته وشبابه . وبعد مرور الايام والسنين وبعد ان اصابنا الاعياء من محاولة الحفاظ على ما تبقى من هيكل الشباب الفاني ، لم نجد بد من التسليم بالواقع المرير والاعتراف باننا اصبحنا " عم الحاج " حتى ان بعضنا حج الى بيت الله بالفعل واصبح حاج رسمي .
قد كنت اظن ، وان بعض الظن اثم ، ان مرحلة عم الحاج هي اخر مرحلة في حياة الانسان ، الا اني اكتشفت مؤخرا ان هناك مرحلة بعدها بالفعل . هذه المرحلة اكتشفتها بسبب اللغط الدائر عن فيروس كورونا والقيود المفروضة هنا وهناك والتي اقعدت الجميع في بيوتهم خوفا على سلامتهم والتي جعلت منصات التواصل على الانترنت تقوم بالدور الاعظم في الحياة اليومية وتحتل مركز الصدارة اليومي ، لان الجميع لا يفارق تليفونه المحمول واصبح الكل ( 7/24 (online
" مرحلة العارفين بالله " كما اطلق عليها او الخبراء كما يحلو للبعض ان يطلق عليها . هي مرحلة تلازم كل من قارب على الخمسين وطالع . وهي المرحلة التي تنم عن الخبرة الواسعة للحياة . فاغلب من فيها اصبحوا كبارا سواء في المحيط العائلي او الوظيفي . خاضوا غمار تجارب وصراعات ، مروا بصعاب ومشقات . هزمتهم الايام حينا وهزموها احيانا . لذلك تجدهم في صدارة اغلب الحوارات . لا يعطون الفرصة لاحد دونهم لكي يتكلم ، دائما هم على صواب والاخرين خطأ .الا ان هذه المرحلة يوجد بها بعض المتعة وانت تراقبها من بعيد . فاغلب من فيها يحاول ان يظهر كفاءته العلمية والثقافية للاخرين ويتكلم فيما يعرف ولا يعرف ويختلط عنده الحابل بالنابل وهو لا يدري . فتجد تعليقاته عبارة عن نصائح وبوستات علمية ومقالات ثقافية (حاجة كده زي سمير غانم اللي ماسك الكتاب طول الفيلم ). يزين تعليقاته ببعض الجمل الانجليزية لكي يثبت للجميع انه مولود على احد شواطئ ويلز.يهاجم من ينتقده ويسفه من رأي الاخرين . تعلو عنده الايجو والاعتزاز بالنفس . يشعر في نفسه بالفخامة وان الارض لم تأت بمثله . يفتي في الدين ، يتكلم في السياسة ، ينصح في الاقتصاد ، واخيرا يخرف في الطب .
تراقب انت من بعيد وتضحك في سرك لانك تعلم اصدقائك جيدا ، فمنهم من لم يفتح كتاب علمي او ثقافي في حياته ،ومنهم من لم يشتري جريدة الا لكي ينظف بها الزجاج . وكل معلوماتهم جاءت اليهم في معرض عبثهم على الانترنت. لم يسعوا لمعلومة مؤكدة ولم يتكلفوا عناء البحث عن كتاب معين ولم يشدوا الرحال لشراء رواية او قصة.
هكذا هي مرحلة العارفين بالله ، والتي كنا نتذمر منها ونحن صغار عندما كنا نراها في الكبار ولا ندركها . عندما كنا نتهم الكبار بانهم لا يفقهون شيئا ويفتون فيما لا يعرفون وانهم متخلفين او رجعيين . عندما اتهمنا رؤسائنا ومديرينا بان مكانهم المتحف . اصبحنا في يوم وليلة في قلبها ولم نفطن لها . اصبحنا نمثلها ونأخذ فيها مرتبة الشرف بجدارة.
هون عليك يا صديقي العارف بالله حتى لا يأتي من يطلب وضعك بالمتحف ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية