الاب الضائع ( قصة قصيرة )


حول منتصف المائدة الصغيرة ، وضعت بعض الحلوى المقدمة للضيوف. كانت العروس تروح وتجئ حاملة الاطباق والاكواب ابتهاجا منها باهل العريس المرتقب. تجاذب الجميع اطراف الحديث ، في السياسة حينا وفي العمل حينا وانتهوا بتفاصيل جهاز العروس. اخو العروس كان المتحدث الرسمي مع العريس ، وكانت اختاهما تتناوبان المناوشات في بعض النقاط الصغيرة مثل من سيشتري ادوات المطبخ. امور تحدث عادة في مثل هذه المواقف ، وكانت تفتح في بادئ الامر حتى لا تحدث مشاكل فيها مستقبلا . ولكنها ستحدث رغما عنهم!
ام العريس والعروس يتنابذان اطراف الحديث خلسة، فترمي ام العريس كلمة وام العروس كلمات وتصد احداهما الاخرى. وابو العريس يومئ براسه ايجابا لجميع الاطراف وهو يأكل من طبق الحلوى. الابتسامات الصفراء تعلو وجوه الجميع، وتدور العيون في محاجرها تختلس النظرات وتتصيد الاخطاء ويترصد الجميع سقطات الكلام. ما هذا الذي يحدث؟ ايكون الشك موجودا حتى في اعظم لحظات السرور؟؟
يناور العريس واخته لاظهار لباقتهما وايضاح مقدار حصافتهما. فيرد اخو العروس مبينا حكمته وبراعته في الكلام. وتشير ام العريس باصبعها لكي يشاهد الجمع الخاتم المطعم بفصوص السوليتير لتقول صمتا ، نحن اغنياء ايها الحثالة. الامر اشبه بالحروب الباردة بدون اسلحة نووية. تميل اخت العريس بجانبها لتعدل من جلستها على الكرسي وهي ترجع خصلة من شعرها المكوي حالا. رائحة عطر رومبا تفوح من حجابها ، وتعلو ابتسامة الزهو وجنتيها. ام العروس يبدو على وجهها الضجر من حجم المطلوب منها ، فتتململ بين الحين والاخر وتشدد في الطلب احيانا. اهل العريس يدخلون مناقصة واهل العروس يدخلون مزايدة والفائز في النهاية خسران!!
وفي ركن قصي يجلس ابو العروس سرحان هكذا كعادته ، لا يدري ماذا يحدث. فهو خرج من الدنيا قبل ان يخرج واوكل مهمة تربية ابناءه لابناءه تربيهم الدنيا وتفعل بهم ما تشاء. فتاكلهم الدنيا احيانا ويأكلونها احيانا. وهو ساهم في دنياه التي لم يستطع ان يعرف لماذا خلقه الله. فكل ما فعله هو الانجاب بدون ان يقدم لهم ادنى درجات الكرامة. لم يشعر بابنائه ولم يشعروا به، حتى يظن المرء يوما انهم لن يلفت نظرهم موته!!!!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية