اخطاء فيلدمان ورؤية عبد الصمد قراءة في كتابين


في العام 2008 صدر كتاب لنوح فيلدمان الدكتور والباحث في الفكر الاسلامي ، وهو امريكي الجنسية ومتخصص في الشؤون الاسلامية واحد اعمدة الدستور العراقي ابان الوجود الامريكي في العراق . الكتاب صدر باسم " سقوط الدولة الاسلامية ونهوضها" وهو يشرح فيه بشئ من الاسهاب – من وجهة نظرة – ما الذي ادى الى سقوط الدولة الاسلامية بداية من الامبراطوريات القديمة وصولا الى الامبراطورية العثمانية . وقد ارتكز في معظم استشهاداته الى الدولة العثمانية لانها قريبة عهد بنا . وقد خلص الى نتيجة مفادها ، ان دعم الحركات الاسلامية في الشرق الاوسط للوصول للحكم قد يكون هو الحل الامثل في المرحلة المقبلة للسياسات الامريكية ومصالحها الخارجية .!!
من هنا نحب ان نبدأ ملخص ما استشكل علينا في حل السؤال التالي ..
لماذا دعمت امريكا الحركات الاصولية في الوصول للحكم في دولة مثل مصر ، على الرغم من انها كانت تناهض هذه الحركات علنا بدعوى الارهاب ؟
بداية نحب ان ننوه ان بعض الامور قد تبدو معقولة عندما نعلم ان فيلدمان هذا هو احد ممثلي السياسة الامريكية الخارجية في ادارة اوباما ، وقد يعزي عليه السلوك الغريب الذي اتخذته الولايات المتحدة الامريكية تلقاء دول الشرق الاوسط ومصر تحديدا . ثانيا ، لنا ان ندرك من ثنايا الكتاب ان مخطط وصول الاخوان الى الحكم لم يكن وليد ظروف ثورة يناير او ثورات الربيع العربي كما يبدو احيانا انما كان هذا السيناريو يتم التخطيط له من قبل ذلك بكثير .!!
 فرؤية فيلدمان كما يصورها في الكتاب ، ان سقوط الدولة الاسلامية ( العثمانية نموذج ) ينبع في الاساس من تنحية طبقة علماء الدين عن مسار الحكم . فطبقة العلماء كما يراها الكاتب هي المقابل الموضوعي للمعارضة لاي نظم حكم في الدول الاسلامية . فان تمت تصفية هذه الطبقة فلابد ان يسقط هذا الحكم سواء اجلا ام عاجلا . وضرب لنا امثلة من كون السلطان عبد الحميد الثاني ازاح طبقة العلماء وعطل الدستور وفي النهاية بعد حكم استبداد ثلاثين عاما جاء كمال اتاتورك ليضع نهاية للحكم الديني من الاساس ويقيم العلمانية بكل مبادئها بدون اي اعتبار لطبيعة المجتمع. الا ان بعد مرور قرن تقريبا على تطبيق العلمانية في تركيا ، نجد ان المجتمع التركي قد اختار حزب ديني في الاساس ( العدالة والتنمية ) والذي يقوده رجب طيب اردوجان .
فالشريعة التي يطلبها المسلمون ما هي الا دستور قائم على اساس ديني وليس كما يتخيلها الغرب من انها شر مستطير .
ويسرد الكاتب تفاصيل كون المجتمعات المسلمة لا يمكن ان يقام فيها الا الحكم الديني القائم على مبادئ العدالة والمساواة . وان التيارات الاسلامية لم تنشأ الا بسبب وجود حكام مستبدين لا يستطيع احد ان يقاومهم الا التيارات الاسلامية . وذكر حادثة محاولة اغتيال عبد الناصر واغتيال السادات كدليل على بعد نظره الثاقب .
ويخلص الكاتب في النهاية الى ان الشعوب الاسلامية عندما تخضع لتجربة الديموقراطية فانها تختار الاحزاب التي تقوم على اساس ديني ، وضرب لنا مثل الاخوان المسلمين في انتخاتبات 2010 عندما فازوا بنسبة كبيرة في الانتخابات البرلمانية في هذه السنة. وضرب لنا مثل حزب العدالة والتنمية التركي . ويؤكد ان من مصلحة امريكا الخارجية ان تمد يد العون لهذه الحركات لانها تستطيع ان تسيطر على مجريات الامور في بلادها بالاضافة الى بعد استراتيجي اخر ، هو ان لديها القدرة على وقف الاعمال العدائية التي تتم ضد الدول الغربية في بعض الاوقات ( مثال حماس والاخوان ).
فالكاتب يرى ان الحركات الاسلامية بما لديها من قاعدة شعبية تستطيع ان تكون هي المقابل القادم لنظم الحكم العربية المستمرة من عقود وانها لها فائدة ويجب ان تتعاون معها الولايات المتحدة الامريكية ..!!
هذا تقريبا ملخص الكتاب بكل غثه وثمينه ولكن لنا ملاحظات على الكاتب والكتاب نوردها كالتالي :
اولا الكاتب متأثر بعقيدته الدينية ( اليهودية ) من ناحية الكهنوت .. فالدين اليهودي يؤسس لفكرة الكهنوت وان طبقة الاحبار والكهان لها وضع مستقل وقائم بذاته ولا يمكن للدولة ان تتخذ اي رأي في التشريع الا من خلالهم وهذا موجود نصا في التوراة والتلمود . فالتقارب الفكري بين العقيدة الاسلامية واليهودية من حيث مبدأ طبقة العلماء جعل الكاتب يتصور انهما على وفاق .
ثانيا ، الكاتب يستدل على نموذجه للحكم الاسلامي من دولة مثل تركيا التي نجح فيها حزب العدالة والتنمية من الوصول للحكم في (غفلة من الزمن وسيدفع ثمنها ابناء تركيا الكثير) . فهذه التجربة ليست انتكاسة للعلمانية فقط انما ارتداد للخلف لان الدين عندما يتدخل في السياسة لا يمكن ان يستمر كليهما .
ثالثا ، موارد الكاتب التي استقى منها افكاره والتي اشار اليها في فهرس الكتاب تدل على ان جلها مأخوذ من موقع الاخوان المسلمين على الانترنت . وهم لا يصدرون المشهد الحقيقي بقدر تصدير فكرتهم السامية عن الاخلاق والعدالة . فهي ليست المحك الطبيعي لمعرفة كيف يفكر القوم وكيف سيديرون المشهد بعد الوصول للحكم.
رابعا ، لم يذكر الكاتب على الاطلاق طبيعة المجتمع ولا خلفيته الثقافية او الاقتصادية وكان كل تركيزه على الفكرة السياسة التي ستاتي بهولاء القوم الى الحكم . وتناسى ان الاقتصاد هو العامل الاكثر تأثيرا في اي سياسة يمكن ان تقوم او تنشأ .
خامسا تحدث الكاتب عن الحكم الاسلامي وكأنه يصلح لجميع الدول بدون استثناء من غير اي تفسير لطبيعة هذا الحكم او شكله النهائي او القوانين التي ستنشأ عن الدستور الموضوع من خلالها .
سادسا ، تناسى الكاتب ان العراق لم يقم على قدميه الى هذه اللحظة برغم وجود هذا الحكم الذي يدعيه .
سابعا ، لم يذكر لنا الكاتب وهو الذي يؤمن بالديموقراطية ، كيف يمكن ازاحة الحكم الاسلامي الذي يؤمن بصلاحيته المطلقة اذا لم يحقق ما وعد به من رفاه ورخاء كما فعل الاخوان المسلمين .
يبدو ان الكاتب انبهر ببعض النجاحات التي حققها الاخوان او غيرهم في الوصول للحكم او الفوز بمقاعد برلمانية وظن ان القاعدة الشعبية الكبرى معهم ، ولم يدر بخلده ان وصول الاخوان وامثالهم لم يتم الا على اكتاف المعذبين والمقهورين والدهماء والرعاع والجهلة الذين لا يعرفون عن تاريخهم او تاريخ ابائهم الا ما ورثوه . وان جزء كبير من هؤلاء لم يختر الاخوان لسواد اعينهم انما فقط لكره الانظمة المستبدة التي كانت موجودة والتي لم تضع اي طريق اخر للاصلاح . فالاخوان لم ولن يقدموا ما يقولوه لانهم لا يمتلكوا ما يدعونه . وكل الكلمات البراقة التي ينشرها الاخوان على مواقعهم ليست الا حقنة تخدير لكي يختارهم الناس للوصول للحكم ثم بعد ذلك تأبيد كما فعل سابقيهم .
فالكاتب تغاضى عن حكم الدول القديمة من امثال العباسية والاموية والاندلسية ولم يقم باي استكشاف لمناطق هذه الدول والتي كانت تطبق الشريعة بالسيف !!فالحقيقة مرة ، ولكن كل يغني على ليلاه ..
الى هنا نصل ان السياسات الامريكية في الحقيقة لا تقوم على رؤية صحيحة بداخل الدول وانما تاتي افكارها من امثال الكتاب العظام امثال هذا الفيلدمان واليساري تشومسكي ، والاخير بتاع صدام الحضارات . فهم لا يفهموا الشعوب ولا يعرفوا كيف يعيش المواطن البسيط في اي دولة ولا يقدرون حجم المعاناة التي يمكن ان يبنيها الحكم الاصولي الديني..
لذلك اعتقد ان صدمة الامريكان كانت كبيرة فعلا عندما قامت ثورة 30 يونيو واني لاظن انهم لا يصدقوا الى الان ان الشعوب لا تريد الاخوان وان ما حدث هو فوتوشوب ..!!
ندخل في قصة الكتاب الاخر حتى لا يطيل بنا الموضوع وهو كتاب ( سقوط العالم الاسلامي ) للكاتب حامد عبد الصمد الدكتور المصري المقيم بالمانيا والذي ناقش في كتابه بحرفية عالية شكل الدول الاسلامية بعد 30 سنة تقريبا ان لم تدرك الكارثة المقبلة عليها . وهو لم يناقش السياسة في كتابه بقدر ما ناقش طبيعة المسلم الذي يعيش في وطن مسلم وبالاخص مصر . وكيف ان هذا المسلم لا يمكن ان يستمر بهذا الشكل المزري في حياته الا بعد ان يقوم بثورة على عقله وافكاره .
طرح الكاتب معظم المآسي التي يعاني منها المسلم في بلده وفي الغربة . وشرح لنا تجارب المسلمين في الغربة وكيف يمكن ان يصل المسلم الى التطرف واسباب تطرفه وعدم استطاعته في الاندماج في المجتمعات الغربية .
الكتاب في حقيقته عبارة عن علاج لداء المسلم اذا اراد الخروج من نفق الجهل المظلم الذي يعيش فيه. ويؤكد الكاتب ان المشكلة ليست في شكل انظمة الحكم بقدر ما هي مشكلة المسلم ذات نفسه الذي لا يستطيع نقد ان لم نقل نقض افكاره الدينية التي تكبل كل خطواته ..
في الحقيقة الكتاب يستحق القراءة مرارا وتكرارا . اما كتاب فيلدمان فقراءته فقط للعلم بالشئ دون الجهل به ..
تنويه : تغاضى فيلدمان ايضا عن طبيعة الحكم السلطوي الديني الايراني ، وتغاضى كذلك عن كل ما حدث في افغانستان وما فعلته طالبان وتغاضى عن موضوع انقسام السودان وتغاضى عما فعلته حماس ابان حكمها وتغاضى عن كثير من صور الحكم الاسلامي المستبد فقط ليؤكد وجهة نظر في عقله المريض .

كتاب حامد عبد الصمد صدر بعد سنتين تقريبا من كتاب فيلدمان وهو يستحق القراءة وممتع حقا لان به امثلة شخصية واخرى عامة على حالة المسلمين المزرية التي وصلوا اليها وكيفية علاجها ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية