ذو القرنين المصري


منذ عدة ايام قليلة طالعتنا الصحف الغربية بخبر مقتل رضا صيام المصري الاصل الالماني الجنسية في غارة امريكية على مواقع داعش في العراق . لا اعلم لماذا لفت هذا الخبر نظري برغم كثرة مثل هذه الاخبار مؤخرا واشتراك الكثير من الجنسيات في الانضمام الى تنظيم داعش. الا انني اردت ان اصل الى رؤية معينة لمثل هذه الشخصيات ، هذه الرؤية تكمن في الدوافع التي جعلت هذه النوعية الى الذهاب الى مواقع القتال والتضحية بنفسها في بعض الاحيان برغم المكانة والوضع الاجتماعي الذي لديها . فقررت ان اتحرى عن شخصية رضا صيام هذا واعرف ما هو الطريق الذي سلكه للوصول الى مرادي واعرف ايضا دوافعه الشخصية والعامة وحياته منذ بداياتها قدر المستطاع.
وعند بداية بحثي عنه ، اكتشفت مقدار الصعوبة التي تحوم حول مثل هذه الشخصيات وندرة الاخبار عنها حتى انني لم اجد مصدر مصري واحد يشير اليه من قريب او بعيد كأنه ليس لديه اقارب او معارف في مصر. ولم تذكره اي صحيفة الا نقلا عن مصادر اجنبية . وبرغم وجود تسجيلات له فعلية على اليوتيوب الا ان كلها باللغة الالمانية . ونبدأ من هنا الحكاية ..
رضا صيام هذه الشخصية التي تحولت بين ليلة وضحاها الى ارهابي يعمل في تنظيم داعش الارهابي . تبدأ حياته من بداية وجوده في المانيا لان كل المصادر لم تشير الى حياته في مصر ابدا . سافر الى المانيا في سنة 1987 بفيزا سياحة . وظل هناك يبحث عن عمل كما يفعل الغالبية العظمى من الشباب المصري المسافر . وتشير المصادر الى انه كان مدرس رياضيات لانه تقدم لاكمال دراساته العليا في الرياضيات في احدى الجامعات الالمانية الا انه طلبه قوبل بالرفض . هو من مواليد 1960 وبالتالي فانه سافر عندما كان في سن 27 عاما . وبعد ان اضناه البحث عن عمل طرأت في عقله فكرة الزواج حتى يستطيع الاستقرار ( وهذا يدلنا على انه ليس من عائلة ميسورة الحال ) ولكن كيف يصل الى هذا الزواج وهو لا يعرف اي احد في المانيا . فخطرت في باله فكرة ان ينشر اعلانا في احدى الصحف الالمانية يطلب فيها زوجه . ولكن بما انه لا يعرف الالمانية فما كان منه الا ان اقترب من فتاة تجلس على احدى الكافيتريات ، وتعرف عليها وعرض عليها طلبه . ومع استغراب الفتاة من فعلته الا انها حققت له طلبه ونشرت له الاعلان المطلوب . وبعد طول انتظار لم يؤت الاعلان حظه ومراده . فاصيب حينها باليأس قليلا سيما وان الفيزا قاربت على الانتهاء . ولكن انقذته الفتاة التي نشرت له الاعلان ووافقت على ان تتزوج به بشرط ان ينفصلوا ان لم يجدوا من الانفصال بدا. وبالفعل تزوجا وصار في استطاعته ان يقيم بصورة شرعية ويبحث عن عمل بدون معوقات.
ولكن الايام لا تأتي بما تشتهي السفن ، فلم يلبث الا ان قبل بادنى الاعمال لانه اكتشف ان سوق العمل لم يكن كما كان يتصور . فعمل في مطعم فترة ، وفي نقل الاثاث اخرى . ولم يكن المرتب الذي يحصل عليه يكفيه في حياته الزوجية ، الامر الذي جعل زوجته تساعده كثيرا في نفقات بيتهم . هذا الامر كان يضغط عليه بحكم طبيعة الرجل الشرقي الا انه لم يكن لديه ما يفعله .
وفي هذه الاثناء ماتت والدته في مصر ، ويبدو انه لم يكن يستطيع ان ينزل الى عزائها . فكانت هذه الحادثة هي نقطة التحول الجذري في حياته . فبعد ان كان الشاب المتفتح الذي يشرب الخمر ويطارد النساء ، انقلب بين ليلة واخرى الى الانسان الملتزم الذي لا يفارق المسجد . وكانت الحياة في المانيا التي ظن انها ستكون سهلة بالنسبة اليه لم تكن كما تصور وباتت احلامه التي رسمها في خياله مجرد سراب .الشاب المصري الذي سافر ليحصل على اعلى درجات التعليم والوظيفة الجيدة والزوجة الجميلة لم يعد لكل هذه الخيالات وجود . فها هو نزل على ارض الواقع يعمل في وظيفة دنيا ويأخذ من زوجته مالا لان مرتبه لا يكفيه .
في هذه الايام ، حدثت له حادثة تسببت في كسر ذراعه ، هذه الحادثة اقعدته فترة كبيرة عن العمل واعطته الفرصة الى ان يتوغل في الايمانيات . فلم يكن يترك فرضا في المسجد  واصبح جل همه الاقتراب اكثر من الله. فاندفع بكل مالديه من حماسة الى الاقتراب من المسجد والتعرف على اصدقاء الايمان . الى ان وصل الى التعرف على بعض الشخصيات التي ادخلت في عقله فكرة الجهاد في سبيل الله . وساعد ذلك قيام حرب البلقان التي انفصلت فيها الجمهورية اليوغوسلافية الى مجموعة من الدول . فطلب من زوجته ان تذهب معه الى البوسنة للقيام بواجبات مساعدة المجاهدين الذين يحاربون الصرب الكفار . والعجيب في الامر ان الحب يفعل المعجزات . فوافقت زوجته على الذهاب معه حتى تقوم بدورها كزوجة مخلصة له . وبالفعل سافر الى البوسنة وظل هناك يعمل على تصوير مشاهد الدمار التي لحقت باهل البوسنة على ايدي قوات الصرب . وصور فيها كل جرائم هذا الجيش المجرم . هو فعليا لم يشترك في القتال ولكن قام بنقل صور حية لكل الاحداث تقريبا . وهناك مقاطع على اليوتيوب يقال انه هو الذي قام بتصويرها . فهو لم يكن يظهر تقريبا في اي تصوير وذلك حرصا على سلامته الشخصية . في هذه الايام تم تجنيده بواسطة احدى الهيئات السعودية التي كانت ترسل المجاهدين الى البوسنة وقامت بالفعل بامداده بالمال ليقوم بواجبه على اكمل وجه . الا ان زوجته سئمت الحياة في هذه الظروف وقررت العودة الى المانيا . فلم يضغط عليها للبقاء وحقق لها رغبتها بالرجوع ولكنه اصر على البقاء . وكان هذا هو الانفصال الاول بينهما . وبعد ان هدأت اوزار الحرب قرر ان يتخذ زوجة اخرى من دولة البانيا وقرر البقاء في البوسنة فترة ليست قليلة . وكان يعمل في احدى الشركات التي اقيمت ابان وضع الصلح بين الاطراف المتنازعة ( اتفاقية دايتون ) . وكانت هذه الشركة تعمل في خدمة الليموزين برأس مال سعودي ...
بعد فترة من الزمن سافر الى السعودية بمفرده  والتحق بمساعدة احد الشيوخ في شركة للتصوير والدعاية مملوكة( لنفس الشيخ اللي فتح الشركة في البوسنة ) . واثناء اقامته في السعودية سافر بترتيب من هذا الشيخ الى الدوحة للانضمام الى دورة فنية للتصوير في مقر قناة الجزيرة .. وبعد رجوعه من الدورة ، سافر الى اندونسيا ( لم يتم الوصول الى اهداف زياراته المتكررة الى اندونسيا ) قبل احداث تفجيرات بالي . واثناء وجوده في اندونسيا تم القبض عليه بواسطة السلطات واكتشفوا معه وسائل ومعدات تصوير وخرائط وصور لتفجيرات بالي . وبعد فترة من التحقيقات والتي ذكر فيها انه مصور صحفي لمحطة انجليزية تم الحكم عليه بالسجن عشرة اشهر لخرقه قوانين الاقامة !!
 وبعد ان خرج من السجن تم ترحيله الى المانيا بحكم جواز سفره الالماني . فهو لم يعد يحمل اي جواز اخر ( قوانين الهجرة الالمانية تمنع ازدواج الجنسية وبالتالي فهو قد اسقط المصرية حال حصوله على الجنسية الالمانية ) .وتم فتح التحقيقات معه ولكن لم يثبت عليه اي شئ..
وبعد رجوعه الى المانيا اخذ زوجته الجديدة وابناءه لكي يكملوا دراستهم ( كانوا في السعودية ) في المانيا . وهناك حادثة مشهورة  وقعت له انه عندما انجب فتاة اراد تسميتها جهاد ، الا ان القوانين الالمانية تمنع مثل هذه الاسماء فما كان منه الا ان رفع قضية وكسبها في النهاية !!
سارت حياته على هذه الوتيرة الى ان سافر الى سوريا بدعم من قناة الجزيرة لتصوير احداث الحرب هناك . وهناك مقطع مشهور له .
ويبدو انه اندمج في هذه الحرب وبعدها سافر الى العراق حتى تم تعينه وزير التربية لدى تنظيم داعش . ثم اتت نهايته على خبر مقتله في احدى الغارات الامريكية منذ عدة ايام ..!!
ما يهمنا فعليا من هذه الاحداث ، هو كيف لمثل هذا الشخص ان يتحول الى ارهابي؟ هل هي فعلا عقيدة الجهاد التي يدعونها ؟ ام ان هناك جوانب نفسية تدفع مثل هؤلاء الى مثل هذه الامور ؟ جوانب نفسية مثل اليأس من الحياة لعدم تحقيق احلام وطوحات الفرد ؟ جوانب نفسية كفشل في الحياة الزوجية او اضطرابات سلوكية كالتي عند المجرمين والبلطجية ؟ وكيف يؤثر غسيل العقول في الافراد الى الدرجة التي تجعلهم يقدمون على الانتحار ؟
واكاد اجزم ان هناك اضطرابات سلوكية ونفسية تجعل مثل هؤلاء يقدمون على فكرة الجهاد والانتحار بعيدا تماما عن الجانب الديني الذي يتصورنه او يتخذونه ذريعة افعالهم . وهناك شواهد مؤكدة ودراسات مثبتة على ذلك . ولكي ادلل على صحة كلامي ، هناك مقطع فيديو على اليوتيوب يؤكد ان رضا صيام هذا ( اسم ذو القرنين الحقيقي ) لم يكن متعمق في الدين او متفقه فيه ولكنه فقط متخذ الهيئة التي يتصور ان المسلم الحق يجب ان يكون عليها .
التساؤل الاخير قبل الختام .. ما الذي تفعله قناة الجزيرة والسعودية بتجنيد هؤلاء والى ماذا ترمي؟؟

المصادر ::



يظهر في الثانية 24
محاضرة تدل على عدم تمكنه دينيا

اخيرا ، لا يوجد اي خيط يدل على حياته في مصر قبل سفره الى المانيا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية