الا ان تكون من المغفلين (قصة قصيرة )


خرج متشولح من بيته يجر اذيال الخيبة و الحسرة. لم يعرف الى اين يتجه ولكنه ترك مطلق الحرية لقدميه ان تقوداه. ظل يمشي قرابة الساعة وهو لايدري الى اين يتجه. وبعد ان اجهده الاعياء من السير وقف يستظل بشجرة وارفة اغصانها ثم ثنى ركبتيه واسند ظهره الى جزعها. وامال براسه على كفيه ليشكل صورة الانسان البائس من حياته. وبينما هو كذلك لفترة من الزمن تناهى الى سمعه رجع صدى صوت كانه يناديه. فالتفت يمنة ويسرة ولكنه لم يجد شيئا. فاعتدل في جلسته ومدد رجليه قليلا ليريحها من تعبها. ولكنه مالبث ان تناهى الى سمعه نفس الصوت. فارتعب قليلا وخاف وقرر العودة من حيث اتى. وفي اثناء قيامه لمح خيال يسير على مقربة منه فظن انه طائر ولكنه عندما دقق النظر جيدا وجده خيال انسان. فملؤه الفزغ وتسمر في مكانه من هول المنظر وظل يردد في نفسه بعض التعاويذ عله يصرف الشبح المجهول. ولكن الشبح لم يبتعد بل ظل يقترب منه رويدا رويدا الى ان اصبح بينه وبينه بضعة اشبار. فحاول متشولح ان يصرخ ولكن الصرخة علقت ورفضت الخروج من حلقه. ظل واجما لايعرف ماذا يفعل الى ان تكلم الشبح معه وقال له لا تخف فانني جئت اليك كما طلبتني. ولكن متشولح لم ينطق ولم يعرف كيف استدعى هذا الشبح كما يقول. هم الشبح ان يطمئن متشولح وان يذهب عنه الخوف والوجل. ولكن محاولته باءت بالفشل. عندها وجد متشولح نفسه طائرا في الهواء مثل ورقة الشجر التي تحملها الرياح. اغمى عليه من هول صدمة مما يرى. الى ان استعاد رشده ووجد نفسه داخل كوخ معزول على تلة في اطراف البلد. نظر حواليه فلم يجد احدا ولم يجد اثرا للشبح الذي رآه. فظن لاول وهلة انه كان يحلم وان الذي حدث لايخرج عن كابوس قد راه في الحلم. ولكن الشبح عاد ثانية  للظهور فادرك عندها بان الحلم حقيقة وبان مايحدث لايخرج ابدا عن نطاق الزمن. عندها تكلم الشبح ثانية بصوت اجش وقال له مثلما قال بانه قد طلب اليه المجئ. فرد عليه متشولح مستعلما، كيف طلبتك وانا لا اعرفك تماما ولا اعرف اي شئ عما تقول. فاقترب منه الشبح ورد قائلا، الا تتذكر عندما قلت في نفسك بانك تريد ان تجد عملا حتى ولو كان ذعذاعا؟ فتردد متشولح قليلا في الرد ثم قال، نعم اتذكر ولكن مال هذا وشأنك؟ فتبسم الشبح قليلا ورد قائلا، الا تعلم يا فتى بان العمل الصالح لا يهبه الا الله والعمل الخبيث لا يبرزه الا الشيطان؟ فاذا اردت عملا صالحا فدعوتك لايقبلها الا الله اما اذا اردت عملا خبيثا فلا ينفذها لك الا شيطان. فانتبه متشولح لما يقوله وعقب مسرعا عليه وقال، اذا فانت شيطانا ،ولكني لم ادعوك صراحة لكي تاتيني وتنفذ طلبي؟ فاعتدل الشيطان وقال له، صحيح انك لم تدعوني بفمك ولكنك دعوتني بقلبك وانا اجري منك مجرى الدم، فلا تظن بان الشيطان لايعلم عنك كل شئ فحياتك مسجلة منذ مولدك الى مماتك. فرد عليه متشولح وبوادر الضيق على وجهه وقال له، وكيف لك ستساعدني في محنتي وهمى؟ فقال الشبح، سانصحك بالوسيلة التي تستطيع بها التعامل مع البشر وهي من انجع الوسائل التي لاتخيب ابدا. فتهلل وجه متشولح وظن انه قد وجد كنزا وقال مسرعا، ماهي هذه النصيحة؟ وهل تاتي بالنتائج المرجوة؟ فتبسم الشبح ورد قائلا، نعم تاتي بالنتائج السريعة المرجوة. فرد متشولح وقال، اذن ماذا تنتظر هات ما عندك. فقال الشبح ، انظر يافتى، ان الحياة ليست مثالية كما تظن ولكن الحقد والغل يملؤها فلا تعش وسط الناس بقلب سليم فلن تنال منهم الا كل اذية وشر، ولن تقوى على المسير وسطهم ، فكن معتدلا بين هذا وذاك، فاذا دعتك الظروف على الكذب والنفاق فلا تتردد في فعلهما واجعل ضميرك دائما بعيدا عما تفعل ، فانه كفيل بان ينغص عليك معيشتك، ولا تكن ابدا ممن لديهم الرحمة فان الرحمة مهلكة الانسان في الدنيا، فكم من رحيم طالته ذنوب البشر ولم يستطع محاربتهم وكم من شقي قد نام قرير العين، ولاتستمع الى خطب الوعاظ والكهنة فانهم ياكلون السحت وما يشعرون ويدمرون حياة الناس ولا يبصرون، واجعل سوء ظنك مقدما على حسنه فالغلبة دائما للشر قبل الخير في الدنيا، وانظر حواليك لترى بنفسك التعساء والمشردين وكل من له ملة ودين قد اضاعهم الشرف والامانة اللذان يحملونهما فوق ظهورهم ثم ارجع البصر وانظر الى السعداء والمترفين لتجد اكثرهم من المنافقين، فكن مثل هؤلاء ولاتكن مثل اولائك لتحصد خير الدنيا وتتفتح امامك ابواب الهناء، فانت نفسك قد طلبت ان تكون ذعذاعا ، فلاتتردد فيما طلبت ولا تنحنى فيما قررت، فان العزيمة كما في الخير فمثلها في الشر، فكن على عزم تنال خير الدنيا وتكن من المحظوظين، فاذا فعلت ما اقوله لك اضمن لك الخير كله وان لم تفعل فلا تلومن الا نفسك واعلم ان التعاسة لا تاتي الا ان تكون من المغفلين!!
  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية