على من نطلق الرصاص





كمية الاسلحة التي يتم القبض عليها هذه الايام تدل على ان هناك كثير من الناس لديها تحفز واستعداد لشن حرب لانعلم من هو العدو فيها. فعند نزولي من البيت اليوم وجدت مشهدا بدأ يظهر رويدا رويدا ، وهو مجموعة من سيارات الشرطة التي تحيط بالعمارة المقابلة لنا وقد قبضوا على البواب بها بسبب وجود مجموعة من الاسلحة الالية يقدر عددها بخمسة على حسب قول الجمع الغفير الذي كان محيطا بهم( نظنهم اثنين على اكثر تقدير تحسبا لطبيعة الشعب في تضخيم الامور). المهم ان هذه الاسلحة على حسب قول البواب تخص المقاول الذي بنى العمارة حديثا. لم استغرب هذا الحدث من كثرة ما رايت المقاولين البلطجية الذين يحملون الاسلحة اينما ذهبوا حرصا منهم على حماية انفسهم وممتلكاتهم من المغيرين الاعداء. فاذا حاولنا ان نرصد كمية الاسلحة بناء على التوزيع الجغرافي للمباني الجديدة وعدد المقاولين الذين يسيطرون على مشاريع البناء هذه الايام بسبب غياب القانون نجدهم لن يقلوا باي حال من الاحوال عن مائة الف قطعة سلاح متنوع في محافظة واحدة فقط. وهذا العدد قد يتضاعف على مستوى الدولة اذا افترضنا هامش خطأ في الحسابات مقداره عشرة بالمائة. وبناء عليه فقد نجد ان هناك اكثر من ثلاثة مليون قطعة سلاح على مستوى الدولة تكفي لسد احتياجات جيش مكون من مائة الف فرد لمدة لا تقل عن شهر اذا كانت هناك كمية كافية من الرصاص. المدهش في الامر ان هذا السلاح ليس موجها لعدو معروف. فنحن لسنا في حالة حرب فلماذا كل هذا التوتر الموجود على المستوى الشعبي؟ هل غياب القانون هو السبب ام ان فرض البلطجة واستخدام قوة القهر للتعامل اليومي هو السبب ام انه لسبب نفسي؟
فكل ماحولنا ينم على توتر بين الناس ، وهذا التوتر يدفعهم الى عدم التوافق على اي موضوع لفقدان الثقة بين الجميع.وما يزيد من هذا التوتر هو الشعور بعدم الامان في الحياة. فالتهديد الذي يحيط بنا في العمل والخوف الذي يصاحبنا في الشارع والرعب من المستقبل ومصير اولادنا يجعلنا لانستطيع التركيز جيدا في تعاملتنا مع بعضنا. فننتفض في وجه اي انسان مثل البركان اذا شعرنا بعدم الارتياح اليه ولانحكم عقولنا في التعبير عما يجيش بداخلنا. لذلك ازدادت مظاهر التباعد بين الناس وصار الانسان وحيدا برغم كونه وسطهم. فانت في بيتك الان لاتعرف جارك ولاتحاول حتى معرفته وتكون حجتك في ذلك ( معرفة الناس الان تستحضر المشاكل ) . وزميلك في العمل لايصل ابدا الى مرحلة الصديق بسبب عدم حبك له ولافعاله. واقرباؤك لاتزورهم الا في المناسبات وتكاد تنسى اماكن منازلهم. حتى ان الاعياد لم تعد المناسبة للم شمل الجميع كما كانت. واذا حاولنا ان ندخل في عمق مشاكل المجتمع المصري نجده قد انقسم فعلا الى نصفين وقد بينت نتائج الاعادة في الانتخابات الرئاسية مدى هول هذا الانقسام. فهناك فئتين في المجتمع المصري بينهما هوة تزداد اتساعا مع مرور الايام. ولك ان تدير عينيك في الارجاء لتعرفهم بنفسك بدون حتى مساعدة منا. ولكن دعنا نسرد بعضها علنا نسلط الضوء عليها حتى ندرك ابعاد المشكلة. ولكن قبل البدء في سردهم نود ان نقول كلمة للتاريخ ، وهي ان ما يحدث الان هو تفريغ شحنة مكبوتة لدى قطاع كبير من الشعب المصري مردها انهيار الاشتراكية منذ اوائل ايام السادات بدون علاجها في حينها من اصحاب القرار في مصر الى الان!!!
ولكي نوضح هذه النقطة بالتحديد، دعنا نشرحها بصورة مبسطة، فمنذ ايام جمال عبد الناصر الى قبل بيع القطاع العام على ايام مبارك ورفع الدولة ايديها عن مقدرات الشعب المصري الذي كان مجبولا على ان الدولة تتولاه في كل شؤون حياته لم يستطع النظام المصري تدريب الشعب على مواجهة ازمته بنفسه. ولم يدرك النظام ان التحول من النظام الاشتراكي الى النظام الراسمالي يستلزم بالضرورة تدريب الناس على كيفية الحياة بدون مساعدة الدولة. فالفرد في النظام الاشتراكي هو عصب الانتاج ومحوره الاساسي وبالتالي كانت الدولة تمده بكل مستلزمات حياته من ماكل وملبس ومسكن. فاعتاد المواطن على انه مؤمن من الناحية الحياتية وليس له دخل في اي ازمة قد تمر بها البلد. ولكن من اساسيات النظام الراسمالي هو ان الدولة تترك المواطن يحل مشاكله بنفسه في كل اموره المعيشية وبالتالي فهو مسئول عن مسكنه وماكله وكل شئ. فالكارثة التي وقعت فيها الدولة هي انها لم تدرب المواطن على مواجهة هذا التحول ، وابسط هذه الادوات لتحويل مسار المواطن التي كان يجب على الدولة الانتباه لها هو تعليمه. فمنظومة التعليم العقيمة لم تخرج الا جيلا مشوها يحمل بعض الشهادات التي لا تؤهله ان يعمل في بلده ناهيك عن دولة اجنبية متقدمة. والكارثة الاخرى هو ان الدولة لم تضع نصب أعينها ان تقيم بعض المشاريع الاستراتيجية الصناعية التي ستدفعها بالضرورة الى ان تحسن منظومة التعليم لديها حتى يكون لديها الرصيد الكافي من الخبرات لدعم هذه المشاريع. ولكن ما رايناه هو ان الدولة لا زالت تعتمد على مصادرها الطبيعية التي بدات تتناقص مسببة ازمة سوف لايحمد عقباها عندما تنضب هذه الموارد.
ولنعود قليلا لما قلناه من انقسام المجتمع لكي نوضح اسبابه، هو ان المواطن المصري ادرك جزءا من مشكلة النظام الراسمالي فبادر بعلم او بدون قصد الى محاولة تحسين ظروف معيشة اولاده. وكانت البداية هو الحاق اولاده في المدارس المتوسطة والعالية المستوى لكي يستطيع هذا الجيل ايجاد فرصة عمل وسط تغول التكنولوجيا ومحاولة تقريب المسافة بين العلم المتدني لدينا والعلوم المتقدمة في الخارج. وكانت نتيجة هذه الخطوة ان نشأ جانب من المجتمع ذو عقلية ثقافية وعلمية متقدمة نسبيا بدأت شيئا فشيئا ان تبتعد عن جزء اخر من المجتمع ليست لديه هذه الميزة. فانفصم المجتمع الى طبقتين ، الاولى لديها من المؤهلات ما يجعلها قادرة على استيعاب الصدمات الاقتصادية قليلا ( ولكن ليس لفترات طويلة)، وطبقة اخرى ليس لديها اي سند لمواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. وللاسف الشديد فالطبقة المتدنية هي الغالبية العظمى الموجودة حاليا والتي تكاد تقارب نسبتها 70% من السكان. بمعنى ادق يمكن لنا ان نجزم بانها لا تقل عن ستين مليون نسمة. هذه النسبة من السكان لديها احباط شديد من ظروف معيشتها ، وما يزيد من هذا الاحباط هو انها لاتعرف كيف لها ان تتغلب على مشكلتها في دولة موصودة الابواب. ولا يوجد لديها الطرق لمواجهة ازمتها. ولايوجد برامج توجيه ترشدها الى الطريق السليم. فبدأت تظهر سلوكيات الانحراف لدى هذه الطبقة بصورة لم تعد شاذة كما كنا ندعي. فانهيار الاخلاقيات والشذوذ والدعارة والهجرة غير الشرعية والغضب وحالات القتل والسرقة والتطرف الديني صور بدأنا نعتاد على رؤيتها يوميا. الى الدرجة التي جعلت البعض منا يكاد يحسب خطوات خروجه حتى لا يكون فريسة لمشكلة من هذه المشاكل. وما زاد من تفاقم المشكلة هو ان هذه الطبقة المتدنية يمر من امامها صور الثراء والراحة المادية لدى البعض ، فتسبب لها الامراض النفسية التي تخرج في صور شتى مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمور والبلطجة والتحرش وكل صور الشذوذ التي يمكن ان نراها داخل هذه البيئة. ونشاهد في النهاية ان المجتمع انقسم الى فئتين تقف كل واحدة منهما على جانب وموصوبين بنادقهما الى بعضهما منتظرين ساعة الصفر التي ستؤذن بخراب مالطا.
وبناء عليه نريد ان نوجه نصيحة الى القائمين على السياسة في مصر، ان انتبهوا الى مشكلة التعليم جيدا، وابدأوا في انشاء مشاريع استراتيجية يمكن لها ان تسحب الاقتصاد المصري الى الامام وحاولوا قدر المستطاع ضغط نفقات الحكومة وتوجيهها الى رفع مستوى الوعي داخل المجتمع والا لن تروا من مصر الا بقايا قد تبعثرت بفعل ايدي ابنائها!!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هدهد سليمان ( قراءة جديدة )

القاضي والمجرم ( قصة قصيرة )

أسماء قداح الجاهلية